الجمعة، 31 مايو 2013

هلوسة ذهنية




كلما خطر ببالي اسم علم تقرأه ذاكرتي مكتوبا بالعربية، في صور مختلفة كل صورة لا تشبه أخرى، ولا صورة مسجلة لدي بالكامل بل لا أكاد أتذكر الواحدة منها، هذا الانقلاب  المفاجئ المتمثل في تخلي ذهني عن تسجيل الصور حدث معي بعد أن التحقت بالمدرسة وتعلمت الحروف وصرت أراجع ذهنيا الكلمة مكتوبة بعيد تذكّرها أو سماعها قبل أن أنطقها...أما قبل تعلمي القراءة والكتابة أتذكر كيف كنت أحفظ الأسماء بتثبيت ألوانها في ذاكرتي، فمثلا:

كلمة "عائشة" لونها أحمر يميل للوردي

 حياة: ذو لون رمادي خفيف

 يسرى: أبيض

 مراد: برتقالي نوعا ما

جمال: أصفر فاتح اللون.....


 وللكثير من أسماء الأعلام مشتقات الألوان  أو مزيج من مختلف الألوان لا أستطيع أن أجد له اسما أو أصف لون هذا المزيج مع أن صورته  مثبتة في مخيلتي، وكلما نسيت اسما أستطيع استنباطه من خلال تذكر لونه، وأحيانا أبحث عن اللون الذي يسهل علي تذكره ومن خلاله أجد الاسم. هذه العملية  التي تخص مرحلة الطفولة في حفظ الأسماء تلاشت بعد تعلمي القراءة والكتابة، وهي شبيهة بعملية حفظ النصوص حيث يحل موضع الكلمة من النص و الصفحة  محل اللون، مثلا حفظ النصوص المكتوبة يكون سهلا إن اعتمدنا  كتاب واحد بحجمه وعدد صفحاته لتذكرها بتذكر الفكرة أو الجملة وحتى الكلمة وذلك بعودة لا شعورية للموضع المدونة فيه.




حالة أخرى جعلتني أتساءل ما إذا كانت تلك الصور الطبيعية التي تتهيأ لبعض  المغرمين بالمعجزات الوهمية في صورة خطية للفظ الجلالة  " الله " ؟ و التي تتراءى لهم مكتوبة على بعض المخلوقات مثلا أو غيرها ، هذا لأني كنت أتطلع لجدار أمامي أو ورقة أو غصن فأحدق بالخدوش المخطوطة عليه فتتهيأ صورة معينة  عن طريق إعمال مخيلتي و تفكيري في آن واحد تتداخل العاطفة و العملية الذهنية في تفاعل مع  ما هو موجود لتنسق تلك الصورة التي أطمئن إليها أو تلك التي أخشاها وذلك بربط عدد من الخطوط أو الحفر الصغيرة يبعضها البعض، هي مجرد تهيئ من الصدف أوجدتها مخيلتي لا أكثر، لكنها لا تتغير بل تظل تلك الصورة مرسخة مهما حاولت تغييرها، على جدران ببتنا القديم مثلا خدوش، و أنا طفلة صغيرة كنت أتأمل بها صورة لوجه غريب ولما سألت أختي أصرت على أنها رسم لحيوان وحاولت إقناعي لكنني أجد أن صورة الوجه هي المرسومة في واقع الأمر، و التصور باق ليومنا هذا كلما زرت ذلك المكان.

 الغريب في الأمر أن الصورة الأولى لا تقتصر على هذه التصاوير الخيالية (أستنبطها من التصور )  بل حتى بالواقع أحيانا، يلتصق الذهن باتجاه معين لواجهة بيت أو مسجد وبعد تصحيح المعلومة الخاطئة تظل الأولى قائمة وقد تؤثر على الفعل في حالة السهو أحيانا ، تماما كاتجاه القبلة في الصلاة ببعض البيوت التي لا يتقبلها الذهن رغم أنه الاتجاه الصحيح والسبب أنها ترسخ في  بادئ الأمر خاطئة.

حالة أخرى لرسم الصور ذهنيا تحصل معي في بعض الأحيان،  أغمض عيناي وأركز ذهنيا على شكلٍ معين فأرسمه أو أرسم لوحة طبيعية جميلة أو صورة شارع أو مقهى ، والغريب أنها تظهر في بضع ثوان ولا تحتاج لوقت طويل لرسمها، وكأنها لقطة لعدسة الكاميرا وتظهر كأنها صورة طبق الأصل عن حقيقة، وبعد ذلك لا أستطيع أن أتذكر منها إلا بعض الملامح.



الجمعة، 24 مايو 2013

هاكم الوطن العظيم و ها أرضه الشاسعة فأينكِ أيتها السواعد؟


هنــــاك بذلك المكان شعور خاص بالانتماء ، ارتباط  قوي عميق بأرض  تلك القرى والبلدات التي استنشقت رائحة طينها الذائبة في الهواء منذ سويعاتي الأولى بالحياة،  ترعرعت بين أحضان الحقول و ساحات البيدر، بتلك "العروبية" أشتاق لها حتى في لحظات الزيارة ، أشتاق لها و أنا أتأمل أراضيها الشاسعة إلى حدود البصر أحدق على مده شرقا وغربا ، شمالا و جنوبا أحدث نفسي في تلك الغابات و تلك التلال  وعن تلك الحقول و ذلك البساط الطيني من تربة آلحمري بأحجارها و حصى وديانها التي قيل فيها " كانت مورد النوق بزمن مضى" ، في جولة قصيرة رفقة أبي أخدت أستلذ الحديث عنها ولهفة العشق تربك لساني و أستلذ أكثر تلك الحكايات التاريخية التي لا أملها ، يقول أبي : هذه القطعة الأرضية كانت تستوطنها سيدة نصرانية( من المستعمرين الفرنسيين) تدعى سيلاّ ولازال الملك باسمها و هنا كانت فرنسا ستقيم مصنعا و هنا وهنا..... تجاعيد الاحتلال لازالت بادية على ملامح تلك الأماكن البدوية ولو طالت لأوت بها إلى الموت، لكن المجاهد الثائر أبى إلا أن يصر على البقاء، ولم يفلح الوارثون بعد في إرجاعها لعهد الشباب النضر ، كنت أتطلع إلى الأفق و أتذكر جدي و هو يقول:" ستمطر اليوم"، و أطلق العنان لبصري فيترقرق الدمع في عينيان ، بل وأشعر ببريق من النور ينبع من دواخلي المتشبعة بحكاية عشق كبير بطليها  الوجود  و الأرض، و وجدان ارتوى بنبيذ خمرتها...أنظر إليها بتأني و أشير:هاكم  الوطن العظيم و ها أرضه  الشاسعة  فأينكِ أيتها السواعد؟




الاثنين، 25 مارس 2013

وفي الصمت سفري الطويل


ما بها ؟ (عقلها غائب ) فاقدة  للوعي ، أم أنها تفتح عينيها أثناء النوم ؟ ( كالأرنب تماما  مثلما تقول عمتي)

  حزينة، تعاني مشكلا ما ، ربما المسكينة  لديها حبيب تفكر فيه  أو  تحلم بفارس أحلامها ؟

هذه الثرثرة أيها العابر ستلوث أذناك  كلما عبرت عوالم الناس في صمت،ستجبر نفسك حينها على الغرق في ذلك الصمت لأنك لن تحتمل ابتلاع كل تلك الأسئلة الفضولية، والحقيقة أنني أهوى تلك الغيبوبة عمن حولي كلما وجدت أنها هي الحل فغالبا ما يكون سفري القصير هجرة طويلة  للخيال، يتسلل  بصري عبر نوافذ الإغاثة إلى الحقول والمزارع التي نمر بها، وكعادتها بكل نهاية أسبوع أو عطلة تعج المحطات بالمسافرين وتقيم الضجة مسرحياتها المعتادة. لكن، بمحطة القطار الأمر يختلف قليلا، خاصة عندما  يدوي صوت  ملائكي رقيق: " نعلم السادة المسافرين أن موعد الإنطلاق سيتأخر بنصف ساعة "، وتختمها بالإعتذار لسبب اظطراري، حقيقة لا أعرف لما يختار الجنس اللطيف لمثل هذه المزح، وعلى الأغلب يتم اختبار أصواتهن قبل الاختيار، هل هي رقيقة؟ مؤثرة ؟ حنونة؟ لربما تضفي القليل من الهدوء والسكينة على قلوب المسافرين، ليسترخوا في قيلولة الانتظار، وما إن يصعدوا ويسكنون إلى مقاعدهم حولك، حتى أتمنى من كل قلبي أن يغضوا في نوم عميق وطويل، لأتمكن أنا من السكون لنفسي، وتخليصها من ضجيج جاراتها، وتحرير البصر الذي أسرته الكتب، والجدران الإسمنتية، و صفحات العالم الأزرق، ليتأمل هذا العالم الشاسع الممتد بين زرقة السماء وتلونات الأرض.

سكوتي يزعج الكثيرين، وكلام الكثيرين يزعجني فلا أملك غير تحرير هذه الروح  المسكينة لتهرب بعيدا في رحلة انعتاق قبل أن تعود لدارها ، ولكم مرة تمنيت أن أضيع  لبضع أيام بين شعاب غابة بعيدة أو فجاج جبال شاهقة ، ولكم تمنيت السكون في كوخ خشبي خلف تل أو على سفح جبل، حتى يستقيم لي القرار في حياة أشتركها و الناس.

وحده الصمت ذلك الرفيق الوفي عند كل رحلة بين عوالم الناس، يملؤها الضجيج وتتلوى الألسن في فوضى تهدر الكلام وتمارس الوأد في حق الحروف، لا أعرف لما يثرثرون كثيرا وفيما يتحدثون ؟ وكثيرا ما أستغرب لشعوري بالتعب بعد حوار ليس بطويل، وحاجة عضلة لساني إلى استراحة، وفي حين غفلة تجدها مخيلتي منفذا للفرار، والتحليق في عالم الصمت الجميل.